قد يكبر الإنسان ويصبح قادرًا على اتخاذ قراراته وبناء علاقاته، لكنه يظل يحمل في داخله خوفًا قديمًا من أن يتركه من يحب.

فبعض المخاوف التي تظهر في علاقاتنا لاحقًا قد ترتبط بتجارب عشناها في طفولتنا، حين كنا نحتاج إلى الشعور بالأمان والاهتمام والقبول.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يرعاه، بل إلى من يشعره بأنه محبوب، وأن وجوده مهم، وأن علاقته بمن يحب لا تنهار كلما أخطأ.

كيف تتشكل جذور الخوف من الهجر؟

تُعد السنوات الأولى من الحياة مرحلة مهمة في بناء الشعور بالأمان العاطفي، إذ يتعلم الطفل من خلالها مدى استجابة والديه أو مقدمي الرعاية لاحتياجاته، وكيفية التعامل مع مشاعره ومخاوفه.

وعندما تتكرر خبرات الغياب العاطفي أو الإهمال أو القسوة، قد يجد بعض الأطفال صعوبة في بناء هذا الشعور بالأمان.

وقد يترسخ لديهم خوف من فقدان الأشخاص الذين يتعلقون بهم، أو اعتقاد بأن الحب والاهتمام يمكن أن يختفيا في أي لحظة.

لكن ليس كل طفل يمر بتجربة مؤلمة سيعاني بالضرورة من الخوف من الهجر؛ فالأطفال يختلفون في حساسيتهم وظروفهم ومصادر الدعم المتاحة لهم.

تجارب طفولية قد تترك أثرًا

الغياب العاطفي للوالدين

قد يكون الأب أو الأم حاضرًا جسديًا، لكنه غير متاح عاطفيًا بسبب ضغوط مستمرة أو صعوبات نفسية أو انشغالات تؤثر في قدرته على التواصل مع الطفل.

وفي بعض الحالات، قد يشعر الطفل بأنه غير مرئي أو أن احتياجاته العاطفية لا تجد الاستجابة التي ينتظرها.

الفقد والانفصال المبكر

قد تؤثر تجربة وفاة أحد الوالدين، أو الانفصال الأسري، أو الابتعاد عن شخص ارتبط به الطفل عاطفيًا في شعوره بالاستقرار، خاصة عندما لا يجد الدعم المناسب لفهم ما حدث والتكيف معه.

القسوة والإساءة باسم التربية

عندما يقترن التوجيه بالإهانة أو التهديد أو العنف النفسي والجسدي، قد يبدأ الطفل بالخوف من فقدان الحب والقبول عند ارتكابه الأخطاء.

وقد يتعلم أن إرضاء الآخرين هو الوسيلة الوحيدة للحفاظ على العلاقة وتجنب العقاب.

الحساسية الانفعالية المرتفعة

يختلف الأطفال في طبيعتهم الانفعالية؛ فقد يكون بعضهم أكثر تأثرًا بالابتعاد المؤقت أو النقد أو التغيرات في أسلوب التعامل.

وهنا تبرز أهمية فهم طبيعة الطفل ومساعدته على تفسير المواقف بطريقة تمنحه الطمأنينة.

كيف نحمي أبناءنا من الخوف من الهجر؟

لا تتطلب التربية السليمة والدين مثاليين، بل علاقة تقوم على الاهتمام والاستجابة والاحترام، مع حدود تربوية واضحة.

وتساعد بعض الممارسات اليومية على تعزيز الأمان العاطفي لدى الطفل.

الحضور العاطفي المستقر

خصصوا وقتًا للاستماع إلى الطفل والاهتمام بمشاعره، وأشعروه بأن له مكانة لا تتوقف على إنجازاته أو سلوكه.

الفصل بين الخطأ وقيمة الطفل

عندما يخطئ الطفل، وجّهوا النقد إلى التصرف بدلًا من شخصيته.

فبدلًا من القول «أنت أناني»، يمكن القول «هذا التصرف لم يراعِ مشاعر الآخرين».

الابتعاد عن التهديد بالترك

عبارات مثل «سأتركك وأذهب» أو «لست ابني بعد اليوم» قد تثير الخوف لدى الطفل، خاصة عندما تُستخدم بصورة متكررة أثناء الغضب.

يمكن وضع حدود حازمة دون تهديد العلاقة أو التشكيك في الحب.

العدل والاهتمام الفردي

احرصوا على عدم المقارنة بين الأبناء أو تفضيل أحدهم بصورة جارحة، وامنحوا كل طفل فرصة للشعور بأنه مهم ومقبول بشخصيته واحتياجاته الخاصة.

الأمان العاطفي يبدأ من التفاصيل الصغيرة

قد لا يتذكر الطفل جميع الكلمات التي سمعها في طفولته، لكنه قد يحتفظ طويلًا بأثر الطريقة التي عومل بها عندما خاف أو أخطأ أو احتاج إلى الاهتمام.

ولا يعني ذلك أن على الوالدين تجنب كل خطأ أو إحباط، بل أن يسعيا إلى توفير علاقة مستقرة تسمح للطفل بالتعبير عن مشاعره والشعور بالقبول.

فأجمل ما يمكن أن نحمله من طفولتنا ليس ذكرى حياة خالية من الصعوبات، بل شعورًا راسخًا بأننا كنا محبوبين، وأن هناك من يمنحنا الأمان حتى في أصعب لحظاتنا.