قد ندرك أن خوفنا من الهجر يؤثر في حياتنا وعلاقاتنا، ومع ذلك نجد صعوبة في التحرر منه.
نحاول أن نطمئن أنفسنا، وأن نثق بالآخرين، وألا نبالغ في الخوف من ابتعادهم، لكن مشاعر القلق قد تعود في مواقف لم نتوقعها.
فكيف نبدأ رحلة التعافي من خوف يجعل وجود الآخرين مصدرًا لأماننا، وغيابهم تهديدًا لاستقرارنا؟
التعافي لا يعني أن نتوقف عن الخوف تمامًا، بل أن نفهم مشاعرنا ونتعلم التعامل معها، حتى لا تصبح هي المتحكم الأساسي في اختياراتنا وعلاقاتنا.
المصالحة مع الذات وفهم الجروح القديمة
تبدأ إحدى خطوات التعافي بالاعتراف بما مررنا به من تجارب مؤلمة، بدلًا من إنكارها أو التقليل من أثرها.
فقد نكون اعتدنا إقناع أنفسنا بأن الماضي انتهى، وأن ما حدث لم يعد مهمًا، بينما تظل بعض المشاعر بحاجة إلى الفهم والتعبير.
ولا تعني المصالحة مع الذات إلقاء اللوم الدائم على الوالدين أو البقاء أسرى للماضي، بل الاعتراف بأن الأشخاص الذين تولوا رعايتنا ربما أخطؤوا أو قصّروا، وأن ما شعرنا به يستحق الاهتمام.
ليس مطلوبًا منك أن تنكر ألمك حتى تتجاوزه، بل أن تمنح نفسك فرصة لفهمه دون أن تجعله تعريفًا دائمًا لهويتك.
افصل بين الماضي والحاضر
من الخطوات المهمة في التعافي إدراك أن الأشخاص الموجودين في حياتنا اليوم ليسوا بالضرورة امتدادًا لمن آذونا في الماضي.
فالشريك الحالي ليس الأب أو الأم أو الشخص الذي تسبب لنا في الألم، ولا يعني ابتعاده المؤقت أو اختلافه معنا أنه يستعد للتخلي عنا.
قد يكون من المفيد أن نسأل أنفسنا عند الشعور بالخوف:
هل ما أشعر به مرتبط بما يحدث الآن، أم أن الموقف أيقظ لديّ تجربة مؤلمة من الماضي؟
يساعد هذا التساؤل على التمييز بين الوقائع الحالية والمخاوف المتوقعة، دون تجاهل أي إشارات حقيقية إلى وجود مشكلة في العلاقة.
تعلّم بناء الأمان من الداخل
عندما يعتمد شعورنا بالأمان اعتمادًا كاملًا على وجود شخص آخر، قد تصبح العلاقة مصدرًا دائمًا للقلق.
لذلك من المهم أن نتعلم تهدئة أنفسنا، وفهم احتياجاتنا العاطفية، والتعامل مع لحظات الوحدة أو الاختلاف دون افتراض أن العلاقة انتهت.
ويمكن أن تساعدنا ممارسة مهارات التهدئة الذاتية، وتنظيم الانفعالات، والاهتمام بحياتنا الشخصية واهتماماتنا وعلاقاتنا الاجتماعية في تعزيز شعورنا بالاستقرار.
فالعلاقة الصحية يمكن أن تكون مصدرًا مهمًا للدعم والأمان، لكنها لا ينبغي أن تكون المصدر الوحيد لقيمتنا أو استقرارنا النفسي.
الحدود الصحية ليست تهديدًا للحب
قد يجعلنا الخوف من الهجر نتردد في التعبير عن احتياجاتنا أو رفض ما يؤذينا، خشية أن يؤدي ذلك إلى خسارة العلاقة.
لكن الحفاظ على الحب لا يتطلب التخلي عن الكرامة أو قبول الإهانة أو الاستغلال.
وتساعدنا الحدود الصحية على توضيح ما نقبله وما لا نقبله في علاقاتنا، والتعبير عن مشاعرنا باحترام، مع الاعتراف بحق الطرف الآخر في امتلاك احتياجاته وحدوده أيضًا.
فالحب الحقيقي لا يتطلب أن نفقد أنفسنا كي نحافظ على وجود الآخرين.
متى يساعد العلاج النفسي؟
قد يكون التعامل مع الخوف من الهجر أكثر صعوبة عندما يتكرر بصورة شديدة، أو يؤثر في الاستقرار النفسي، أو يدفع الشخص إلى البقاء في علاقات مؤذية أو الدخول في صراعات متكررة.
في هذه الحالات، يمكن أن يوفر العلاج النفسي مساحة آمنة لفهم أنماط التفكير والمشاعر والسلوك المرتبطة بهذا الخوف.
وقد يستعين المختص بمداخل علاجية مناسبة لاحتياجات الشخص، مثل العلاج المعرفي السلوكي، أو العلاج بالتقبل والالتزام، أو الأساليب العلاجية التي تتناول أنماط التعلق والعلاقات.
ولا توجد طريقة واحدة تناسب الجميع، فخطة العلاج تتحدد وفق التقييم الفردي وطبيعة الصعوبات التي يواجهها الشخص.
رحلة تستحق أن نبدأها
التغلب على الخوف من الهجر رحلة قد تحتاج إلى وقت وصبر ومساندة، لكنها رحلة ممكنة.
وكلما أصبحنا أكثر فهمًا لمشاعرنا، وأكثر قدرة على التمييز بين الماضي والحاضر، وأوضح في احتياجاتنا وحدودنا، ازدادت قدرتنا على بناء علاقات تقوم على الاختيار الواعي بدلًا من الخوف المستمر.
فقيمتنا لا تُقاس ببقاء شخص في حياتنا، وأماننا لا ينبغي أن ينهار برحيله.
وقد تبدأ رحلة التعافي الحقيقية حين نتعلم أن نكون سندًا لأنفسنا، وأن نمنحها من الرعاية والاحترام ما كنا ننتظره دائمًا من الآخرين.