نمر جميعًا بأيام نشعر فيها بالضيق أو الإحباط أو الغضب، ونحتاج أحيانًا إلى التحدث عمّا يؤلمنا مع شخص نثق به.

وقد يمنحنا التعبير عن مشاعرنا فرصة لفهم ما نمر به، والتخفيف من ثقل التجربة، والنظر إلى الموقف من زاوية مختلفة.

لكن لماذا نشعر أحيانًا براحة أكبر بعد الحديث عن مشكلاتنا، بينما نجد أنفسنا في أحيان أخرى نكرر الحديث عن المشكلة نفسها دون أن يتغير شعورنا تجاهها؟

الفرق لا يكمن في مجرد الحديث عن المشكلات، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع أفكارنا ومشاعرنا أثناء ذلك.

التعبير عن المشاعر حاجة إنسانية

ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون متفائلًا طوال الوقت، أو أن يخفي حزنه وغضبه حتى يبدو قويًا أمام الآخرين.

فالتعبير عن المشاعر بطريقة مناسبة يساعدنا على التعرف إلى ما نشعر به، وفهم احتياجاتنا، وإيصالها إلى من حولنا.

عندما نقول مثلًا «أنا منزعج مما حدث، وأحتاج إلى من يسمعني»، فإننا نمنح أنفسنا مساحة للحديث بدلًا من كبت المشاعر أو تجاهلها.

وقد يكون البوح بداية لفهم المشكلة، أو طلب الدعم، أو اتخاذ قرار يساعدنا على التعامل مع الموقف.

فالمشكلة ليست في أن نتحدث عن تعبنا، وإنما في أن نظل عالقين داخل الأفكار المؤلمة دون أن نجد طريقًا للتعامل معها.

متى يتحول التفكير إلى اجترار نفسي؟

في علم النفس، يُستخدم مصطلح «الاجترار الفكري» لوصف نمط من التفكير المتكرر الذي يتركز على المشاعر السلبية وأسبابها ونتائجها، دون أن يقود بالضرورة إلى حلول أو خطوات عملية.

قد يمر الإنسان بموقف مزعج في العمل، ثم يظل يعيد تفاصيله في ذهنه مرارًا:

«لماذا تحدث معي بهذه الطريقة؟»

«لماذا لم أرد عليه؟»

«لماذا تحدث لي هذه المواقف دائمًا؟»

ورغم أن التفكير في الأحداث يساعدنا أحيانًا على فهمها والتعلم منها، فإن تكرار الأسئلة نفسها دون الوصول إلى نتيجة قد يزيد شعورنا بالضيق، ويجعل من الصعب توجيه انتباهنا نحو ما يمكن فعله.

وهنا يصبح من المهم أن نميّز بين التفكير الذي يساعدنا على الفهم، والتفكير الذي يعيدنا باستمرار إلى نقطة البداية.

هل الشكوى المستمرة تعني أننا نفكر بطريقة سلبية؟

ليس بالضرورة.

فقد يكرر الإنسان الحديث عن مشكلة لأنه يعيش بالفعل ظروفًا صعبة لم تتغير، أو لأنه لم يجد من يفهمه أو يساعده.

ولا ينبغي أن نطلب من شخص يتعرض للظلم أو الضغوط المستمرة أن يتوقف عن الشكوى لمجرد أن حديثه يتكرر.

فالشكوى قد تكون وسيلة مشروعة للتعبير عن الاحتياجات، أو المطالبة بالحقوق، أو طلب المساندة.

لكن من المفيد أن ننتبه إلى ما إذا كان تكرار الحديث يمنحنا فهمًا أو دعمًا، أم يجعلنا ندور حول الأفكار المؤلمة نفسها دون تقدم.

ليس كل حديث متكرر عن الألم اجترارًا فكريًا، وليس كل صمت دليلًا على الاتزان النفسي.

كيف نخرج من دائرة التفكير المتكرر؟

الخطوة الأولى هي أن نتعرف إلى مشاعرنا دون أن نحكم عليها.

يمكن أن نسأل أنفسنا:

«ما الذي أشعر به الآن؟»

«ما أكثر ما يزعجني في هذا الموقف؟»

«هل أحتاج إلى من يستمع إليّ، أم إلى مساعدة في إيجاد حل؟»

«ما الخطوة الصغيرة التي أستطيع اتخاذها؟»

وقد يساعدنا تقسيم المشكلة إلى أجزاء أصغر على التمييز بين ما يمكن تغييره وما يحتاج إلى وقت أو دعم.

وفي بعض المواقف، يكون من المفيد الابتعاد قليلًا عن التفكير المتكرر، والانشغال بنشاط مناسب، أو ممارسة المشي، أو التحدث مع شخص يساعدنا على رؤية الأمور بوضوح أكبر.

لكن ذلك لا يعني تجاهل المشكلات الحقيقية أو إجبار أنفسنا على التفكير الإيجابي؛ فبعض المواقف تحتاج إلى قرار واضح أو تغيير في الظروف أو مساندة متخصصة.

وإذا أصبحت الأفكار المتكررة مصدرًا لضيق مستمر يؤثر في النوم أو العلاقات أو ممارسة الحياة اليومية، فقد يكون من المناسب طلب المساعدة من مختص نفسي لفهم هذا النمط والتعامل معه.

امنح مشاعرك مساحة دون أن تبقى أسيرًا لها

من الطبيعي أن نحزن ونغضب ونشتكي أحيانًا، وأن نحتاج إلى تكرار الحديث عن تجربة مؤلمة حتى نستوعب ما حدث.

ولا توجد مدة محددة يصبح بعدها التعبير عن المشاعر ضارًا، كما لا يمكن اختزال أثر الشكوى في أرقام أو معادلات ثابتة.

الأهم هو أن ننتبه إلى الطريقة التي نتعامل بها مع مشاعرنا، وأن نسأل أنفسنا إن كان حديثنا يساعدنا على الفهم والتواصل واتخاذ الخطوات المناسبة، أم يعيدنا إلى الدائرة نفسها من التفكير.

فالتعبير الصحي عن المشاعر لا يعني إسكات الألم، بل منحه حقه من الفهم والاهتمام، دون أن نترك الأفكار المتكررة تستنزف قدرتنا على التعامل مع الحياة.