لا تترك الحروب آثارها في المدن والمنازل ومصادر الرزق وحدها، بل تمتد إلى حياة الناس النفسية والاجتماعية، فتغيّر شعورهم بالأمان، وعلاقاتهم، وقدرتهم على التخطيط للمستقبل.
وفي المجتمعات التي تتنوع فيها الثقافات والعادات والتقاليد، تبرز أهمية فهم هذا التنوع عند الحديث عن الصحة النفسية وتقديم الدعم للمتأثرين بالحروب والأزمات.
فالمساندة النفسية لا تبدأ بالكلمات التي نقولها فقط، بل بفهم الإنسان الذي نتحدث إليه، والظروف التي مر بها، والثقافة التي ينتمي إليها.
كيف تؤثر الثقافة في طلب الدعم النفسي؟
تؤثر القيم والعادات والتقاليد في الطريقة التي يعبّر بها الإنسان عن مشاعره، ويفهم بها معاناته، ويقرر من يلجأ إليه عندما يواجه أزمة نفسية.
وفي بعض البيئات، قد يتردد الشخص في الحديث عن مشكلاته النفسية خوفًا من نظرة الآخرين أو تعرضه للانتقاد أو الوصمة الاجتماعية.
وقد يفضّل البعض الاحتفاظ بمعاناتهم لأنفسهم، أو اللجوء أولًا إلى الأسرة أو أشخاص موثوقين في المجتمع قبل التفكير في طلب المساعدة المتخصصة.
لكن هذه المواقف لا تنطبق على الجميع، فالمجتمعات تختلف في ثقافاتها وتجاربها، كما أن الروابط الأسرية والاجتماعية قد تمثل مصدرًا مهمًا للدعم والشعور بالانتماء.
لذلك لا ينبغي أن نتعامل مع الثقافة بوصفها عائقًا دائمًا، بل أن نفهم كيف يمكن أن تكون مصدر قوة، ومتى قد تسهم بعض التصورات في تأخير طلب المساعدة.
الحرب وتجارب نفسية تختلف من شخص إلى آخر
تؤثر الحروب في جوانب متعددة من حياة الأفراد والأسر، بدءًا من فقدان مصادر الدخل وتعطل التعليم، وصولًا إلى النزوح والانفصال عن البيئة المألوفة وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
ومع ذلك، لا يعيش جميع الأشخاص هذه التجارب بالطريقة نفسها، ولا تتشابه احتياجاتهم النفسية والاجتماعية.
الشباب وفقدان فرص المستقبل
قد يجد بعض الشباب أنفسهم أمام انقطاع الدراسة أو فقدان العمل أو تأجيل الطموحات التي كانوا يستعدون لتحقيقها.
ولا يقتصر أثر هذه التغيرات على الجانب المادي؛ فقد يصاحبها شعور بالإحباط أو القلق بشأن المستقبل، أو صعوبة في استعادة الإحساس بالاستقرار.
وقد يحتاج هؤلاء الشباب إلى من يستمع إلى مخاوفهم، ويساعدهم على تحديد احتياجاتهم وخياراتهم الواقعية، دون التقليل من حجم الخسارات التي تعرضوا لها.
النساء وتزايد المسؤوليات
قد تتحمل بعض النساء مسؤوليات إضافية خلال الحروب والنزوح، سواء في رعاية الأطفال وكبار السن، أو توفير الاحتياجات الأساسية للأسرة، أو التعامل مع فقدان الدخل والاضطراب الأسري.
وقد تصبح هذه الأعباء أكثر صعوبة عندما تقل مصادر الدعم أو تغيب الخصوصية والأمان.
ولهذا ينبغي أن يراعي الدعم النفسي احتياجات النساء المختلفة، وأن يوفر مساحة آمنة للاستماع إليهن واحترام قراراتهن وظروفهن الشخصية.
الأطفال وأسئلتهم عن الخوف والحرب
قد يواجه الأطفال تغيرات يصعب عليهم فهمها، مثل مغادرة المنزل، أو الانفصال عن أشخاص مقربين، أو توقف الدراسة، أو سماع أصوات القتال.
وقد تظهر مخاوفهم من خلال الأسئلة المتكررة، أو تغير السلوك، أو صعوبة النوم، أو الحاجة المتزايدة إلى الشعور بالقرب والأمان.
ومن المهم أن نتيح للطفل فرصة طرح أسئلته، وأن نقدم له إجابات صادقة ومناسبة لعمره، دون إرغامه على الحديث عن أحداث مؤلمة لا يرغب في استعادتها.
فالطفل لا يحتاج دائمًا إلى شرح طويل لما حدث، بقدر حاجته إلى الشعور بأن هناك من يستمع إليه ويحاول حمايته وطمأنته.
كبار السن وفقدان الاستقرار المألوف
قد يواجه كبار السن صعوبات خاصة عندما يضطرون إلى مغادرة منازلهم أو الابتعاد عن محيطهم الاجتماعي، أو عندما تتعطل الخدمات الصحية التي يعتمدون عليها.
وقد يحتاجون إلى المساندة في تلبية احتياجاتهم اليومية، إلى جانب الاهتمام بمشاعرهم واحترام استقلاليتهم وخبراتهم.
فالدعم النفسي لا ينفصل عن احتياجات الإنسان الأساسية ولا عن شعوره بالكرامة والانتماء.
النزوح لا يعني مجرد الانتقال من مكان إلى آخر
عندما يضطر الإنسان إلى مغادرة منزله، فإنه قد يفقد أكثر من المكان الذي اعتاد العيش فيه.
قد يبتعد عن أسرته وأصدقائه وعمله وذكرياته وشعوره بالاستقرار، وقد يجد نفسه أمام بيئة جديدة تختلف في عاداتها وظروفها وإمكاناتها.
أما الأشخاص الذين ما زالوا يعيشون في مناطق تتعرض للقتال أو تعاني نقص الغذاء والمياه والرعاية الصحية، فقد تكون احتياجاتهم العاجلة مرتبطة بالأمان والخدمات الأساسية قبل أي تدخل نفسي آخر.
لذلك ينبغي ألّا نفصل الدعم النفسي عن الواقع الإنساني الذي يعيشه الشخص، أو نطالبه بالتكيف مع ظروف تهدد سلامته واحتياجاته الأساسية.
لماذا نحتاج إلى حساسية ثقافية عند تقديم الدعم؟
لا توجد طريقة واحدة تصلح للتواصل مع جميع الأشخاص.
فالكلمات التي تمنح شخصًا شعورًا بالراحة قد لا تكون مناسبة لشخص آخر، كما أن طريقة الحديث عن المشاعر تختلف باختلاف الخلفيات الثقافية والأسرية والتجارب الفردية.
لهذا يحتاج من يقدم الدعم النفسي والاجتماعي إلى الإصغاء دون أحكام مسبقة، واستخدام لغة واضحة ومحترمة، وعدم افتراض أنه يعرف احتياجات الشخص لمجرد انتمائه إلى مجتمع أو فئة عمرية معينة.
ومن الضروري أيضًا احترام الخصوصية والسرية، وعدم الضغط على المتضررين لسرد تفاصيل التجارب المؤلمة، أو تقديم وعود لا يمكن الوفاء بها.
فقد تكون المساندة المناسبة في بعض المواقف هي الاستماع الهادئ، أو المساعدة في الوصول إلى خدمة أساسية، أو تقديم معلومات موثوقة، أو الإحالة إلى مختص مؤهل عندما تستدعي الحالة ذلك.
والدعم النفسي الأولي لا يحل محل العلاج النفسي المتخصص عند الحاجة إليه، لكنه قد يكون خطوة مهمة في توفير المساندة المناسبة.
الأسرة والمجتمع جزء من المساندة
تمثل العلاقات الأسرية والاجتماعية موردًا مهمًا يمكن الاستفادة منه في دعم المتأثرين بالحروب والنزوح.
فوجود أشخاص موثوقين، وتبادل المساندة، والحفاظ على الروابط الإنسانية، قد يساعد الأفراد على الشعور بأنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الصعوبات.
كما أن فهم طبيعة الأسرة وعلاقاتها في سياقها الاجتماعي والثقافي قد يساعد العاملين في الدعم النفسي على بناء الثقة والتواصل بصورة أفضل.
لكن إشراك الأسرة ينبغي أن يراعي رغبة الشخص وخصوصيته وسلامته، خاصة عندما تكون بعض العلاقات الأسرية نفسها مصدرًا للضغط أو الخوف.
فالمساندة الحقيقية تقوم على الثقة والاحترام، لا على إجبار الإنسان على الحديث أو مشاركة معاناته مع الآخرين.
نحو دعم نفسي أقرب إلى واقع الناس
إن تقديم الدعم النفسي للمتأثرين بالحروب والأزمات يتطلب أكثر من معرفة عامة بأعراض الضيق أو أساليب التعامل مع الضغوط.
فهو يحتاج إلى فهم آثار الحرب والنزوح، والانتباه إلى اختلاف احتياجات الأطفال والشباب والنساء وكبار السن، وإدراك تأثير الثقافة والعلاقات الأسرية في طريقة التعبير عن المعاناة وطلب المساعدة.
كما يحتاج إلى بناء الثقة مع المجتمعات المحلية، واحترام خصوصيتها، وتوفير خدمات تراعي كرامة الإنسان وظروفه وإمكاناته.
فليس المهم أن نقدم الدعم بالطريقة التي نعتقد أنها مناسبة للجميع، بل أن نصغي إلى الناس، ونفهم احتياجاتهم، ونبحث معهم عن المساندة التي تحترم ثقافتهم وتحافظ على إنسانيتهم.
وفي ظل الأزمات، قد تكون البداية الأهم أن يشعر الإنسان بأن معاناته مفهومة، وأن صوته مسموع، وأن طلب المساندة لا ينتقص من كرامته أو قوته.