قد يبدو الانسحاب من بعض المواقف أسهل من مواجهتها، وقد نجد أنفسنا أحيانًا نتجنب مكالمة مهمة، أو نؤجل حديثًا ضروريًا، أو نبتعد عن علاقة بمجرد أن نشعر بالقلق أو الضغط.
ومن الخارج، قد يبدو هذا السلوك ضعفًا، أو عدم اهتمام، أو هروبًا من المسؤولية. لكن ما يبدو هروبًا في نظر الآخرين، قد يكون في بعض الأحيان محاولة قديمة لحماية النفس من ألم سبق أن اختبرته.
حين يصبح الابتعاد وسيلة للحماية
قد يتعلم الإنسان التجنب خلال مرحلة من حياته، حين تكون المواجهة مرتبطة بمشاعر يصعب عليه التعامل معها، مثل الخوف من الرفض أو العقاب أو الإحراج أو فقدان الأمان.
فالشخص الذي اعتاد أن تنتهي الخلافات في بيئته بالصراخ أو الخصام، قد يجد نفسه لاحقًا ينسحب من أي نقاش يشعر فيه بالتوتر، حتى عندما يكون الطرف الآخر مستعدًا للحوار بهدوء.
ومع تكرار هذه التجارب، قد يترسخ لديه اعتقاد غير واعٍ بأن الابتعاد أكثر أمانًا من المواجهة.
وهكذا، قد يستمر الإنسان في استخدام وسيلة تعلّمها لحماية نفسه في الماضي، حتى عندما تتغير الظروف التي جعلته يحتاج إليها.
متى تتحول الحماية إلى عائق؟
ليس كل انسحاب هروبًا، وليس كل تجنب سلوكًا خاطئًا. فهناك مواقف يكون فيها الابتعاد قرارًا صحيًا، خصوصًا عندما نتعرض للأذى أو عندما نحتاج إلى وقت لتهدئة مشاعرنا والتفكير بوضوح.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التجنب استجابة تلقائية لكل موقف يثير القلق، حتى لو لم يكن هناك خطر حقيقي.
قد تتجنب مكالمة ضرورية، فتظل المشكلة قائمة وربما تزداد تعقيدًا. وقد تؤجل الحديث عما يزعجك، فتتراكم المشاعر التي لم تجد فرصة للتعبير عنها.
وربما تبتعد عن العلاقات خوفًا من الخلاف أو الرفض، فتحرم نفسك من فرص القرب والتفاهم. وقد تتراجع عن تجربة جديدة لأن احتمال الفشل يبدو أصعب من البقاء في المكان المألوف.
في هذه الحالات، قد يمنحك التجنب راحة مؤقتة، لكنه يترك المشكلة دون معالجة، ويجعل مواجهتها أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
فهم أسباب الهروب لا يعني تبريره
من المهم أن نفهم لماذا نلجأ إلى التجنب، لكن فهم الأسباب لا يعني أن نستمر في السلوك نفسه دون محاولة تغييره.
فقد تكون هناك تجارب سابقة ساهمت في تشكيل استجابتنا للمواقف الصعبة، وقد يرتبط التجنب أيضًا بالقلق أو بطبيعة الموقف الحالي. لذلك لا يمكن تفسير جميع حالات الانسحاب بالطريقة نفسها.
بدلًا من لوم أنفسنا أو وصفها بالضعف، يمكن أن نطرح سؤالًا أكثر فائدة: ما الذي أحاول حماية نفسي منه عندما أختار الابتعاد؟
هل أخشى الرفض؟ أم أخاف أن يتحول النقاش إلى خلاف؟ أم أنني لا أعرف كيف أعبر عما أشعر به دون أن أفقد هدوئي؟
قد تساعدنا الإجابة عن هذه الأسئلة على فهم مشاعرنا، والتمييز بين المخاطر الحقيقية والمخاوف التي تجعلنا نتوقع تكرار تجارب مؤلمة.
كيف نبدأ بتغيير هذا النمط؟
لا يعني التغيير أن نجبر أنفسنا على مواجهة كل موقف مهما كان مؤلمًا أو غير آمن. بل أن نتعلم التمييز بين المواقف التي تستدعي الابتعاد وتلك التي يمكن التعامل معها بطريقة مختلفة.
يمكن أن نبدأ بخطوات صغيرة، كأن نعبّر عن رأينا في نقاش هادئ، أو نجري مكالمة كنا نؤجلها، أو نتحدث بصراحة عن أمر يزعجنا مع شخص نثق به.
وقد نحتاج أحيانًا إلى التدرّب على تنظيم مشاعرنا، ووضع حدود واضحة، وطلب الدعم النفسي المتخصص إذا أصبح التجنب يؤثر بصورة مستمرة في علاقاتنا أو حياتنا اليومية.
فالشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما القدرة على التعامل معه بوعي، دون أن نسمح له باتخاذ جميع قراراتنا.
وفي المرة القادمة التي تشعر فيها برغبة قوية في الانسحاب، امنح نفسك لحظة للتفكير واسألها:
هل أبتعد لأن هذا الموقف يؤذيني فعلًا، أم لأنني أخشى أن يتكرر ألم عشته في الماضي؟
قد لا تكون الإجابة سهلة دائمًا، لكنها قد تكون بداية لفهم أعمق لنفسك، وخطوة نحو خيارات أكثر وعيًا.
فما ساعدك على النجاة في مرحلة سابقة من حياتك، ليس بالضرورة أن يبقى طريقتك الوحيدة للتعامل مع الحياة اليوم.